الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
102
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
فجوابهم كاشف عن انحطاطهم الفكري والسقوط الأخلاقي البعيد ! . أجل . . إن الطهارة تعد عيبا ونقصا في المحيط الموبوء ، وينبغي أن يلقى أمثال يوسف المتعفف في السجن ، وأن يطرد آل لوط نبي الله العظيم ويبعدوا - لأنهم يتطهرون - خارج المدينة ، وأن يبقى أمثال " زليخا " أحرارا أولي مقام . . . كما ينبغي أن يتمتع قوم لوط في مدينتهم دون حرج ! . وهذا هو المصداق الجلي لكلام القرآن في الضالين ، إذ يقول : ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة بسبب أعمالهم السيئة المخزية . ويحتمل في جملة إنهم أناس يتطهرون أن قوم لوط لانحرافهم وغرقهم في الفساد ، وتطبعهم وتعودهم على التلوث ، كانوا يقولون مثل هذا الكلام من باب السخرية والاستهزاء . . أي إنهم يتصورون أن أعمالنا قبيحة وغير طاهرة ! وأن تقواهم من التطهر ، فما أعجب هذا الكلام ! إنه لمهزلة ! . وليس هذا غريبا أن يتبدل إحساس الإنسان - نتيجة تطبعه بعمل قبيح - فيتغير سلوكه ونظرته . . فقد سمعنا بقصة الدباغ المعروفة ، إذ ورد أن رجلا كان يدبغ الجلود المتعفنة دائما ، وتطبعت " شامته " برائحة الجلود " العفنة " فمر ذات يوم في سوق العطارين ، فاضطرب حاله وأغمي عليه ، لأن العطور لا تناسب " شامته " فأمر رجل حكيم أن يؤخذ إلى سوق الدباغين لانقاذه من الموت . . . فهذا مثال حسي طريف لهذا الموضوع المنطقي . جاء في الروايات أن لوطا كان يبلغ قومه حوالي ثلاثين عاما وينصحهم ، إلا أنه لم يؤمن به إلا أسرته وأهله باستثناء زوجته فإنها كانت من المشركين وعلى عقيدتهم ( 1 ) . بديهي أن مثل هؤلاء القوم لا أمل في إصلاحهم في عالم الدنيا ، فينبغي أن يطوى " طومار " حياتهم ، لذلك تقول الآية التالية في هذا الشأن فأنجيناه وأهله
--> 1 - تفسير نور الثقلين ، ج 2 ، ص 382 .